أبو حنيفة نعمان ابن ثابت الكوفي رحمة الله عليه.
الإِمَامُ، فَقِيْهُ المِلَّةِ، عَالِمُ العِرَاقِ، أَبُو حَنِيْفَةَ النُّعْمَانُ بنُ ثَابِتِ بنِ زُوْطَى التَّيْمِيُّ، الكُوْفِيُّ، وُلدَ: سَنَةَ ثَمَانِيْنَ، فِي حَيَاةِ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَرَأَى: أَنَسَ بنَ مَالِكٍ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ الكُوْفَةَ، وَلَمْ يَثبُتْ أنه روى حَرفٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُم. قاله الذهبي.
وقال الشيرازي: قد كان في أيام أبي حنيفة أربعة من الصحابة، أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى الأنصاري، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسهل بن سعد الساعدي، وجماعة من التابعين كالشعبي والنخعي وعلي بن الحسين وغيرهم، ولم يأخذ أبو حنيفة منهم وقد أخذ عنه خلق كثير.
قال الذهبي: وَعُنِيَ بِطَلَبِ الآثَارِ، وَارْتَحَلَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الفِقْهُ وَالتَّدْقِيْقُ فِي الرَّأْيِ وَغوَامِضِهِ، فَإِلَيْهِ المُنْتَهَى، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ عِيَالٌ فِي ذَلِكَ.
مهنته: كَانَ خَزَّازًا يَبِيْعُ الخَزَّ، وفي هذا درس لطالب العلم أن يسعى للاستغناء عن الناس، وعدم انتظار العطايا منهم.
مكانته العلمية وثناء العلماء عليه
قال أَبو حَنِيْفَةَ: رَأَيْتُ رُؤْيَا أَفزَعَتْنِي، رَأَيْتُ كَأَنِّي أَنبُشُ قَبْرَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَأَتَيْتُ البَصْرَةَ، فَأَمَرتُ رَجُلًا يَسْأَلُ مُحَمَّدَ بنَ سِيْرِيْنَ، فَسَأَلَه، فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ يَنبُشُ أَخْبَارَ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ-.
قال عَبْدَ اللهِ بنَ المُبَارَكِ: لَوْلاَ أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي بِأَبِي حَنِيْفَةَ وَسُفْيَانَ، كُنْتُ كَسَائِرِ النَّاسِ.
وقال ابْنِ المُبَارَكِ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَوقَرَ فِي مَجْلِسِهِ، وَلاَ أَحْسَنَ سَمتًا وَحِلمًا مِنْ أَبِي حَنِيْفَةَ.
وَقَالَ حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ: كَلاَمُ أَبِي حَنِيْفَةَ فِي الفِقْهِ، أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، لاَ يَعِيبُه إِلاَّ جَاهِلٌ، وقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: أَبُو حَنِيْفَةَ أَفْقَهُ النَّاسِ.
قال الذهبي: الإِمَامَةُ فِي الفِقْهِ وَدَقَائِقِه مُسَلَّمَةٌ إِلَى هَذَا الإِمَامِ، وَهَذَا أَمرٌ لاَ شَكَّ فِيْهِ.
وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَذْهَانِ شَيْءٌ إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيْلِ
وَسِيْرَتُه تَحْتَمِلُ أَنْ تُفرَدَ فِي مُجَلَّدَيْنِ - رضي الله عنه، وَرَحِمَهُ -.
قال عبد الله بن داود: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبي حنيفة في صلاتهم، قال: وذكر حفظه عليهم السنن، والفقه.
قال الشافعي: من أراد أن يعرف الفقه فليلزم أبا حنيفة وأصحابه، فإن الناس كلهم عيال عليه في الفقه.
قال ابن المبارك: رأيت الحسن بن عمارة آخذا بركاب أبي حنيفة، وهو يقول: والله ما أدركنا أحدا تكلم في الفقه أبلغ، ولا أصبر، ولا أحضر جوابا منك، وإنك لسيد من تكلم فيه في وقتك غير مدافع، وما يتكلمون فيك إلا حسدا.
قال عَلِيَّ بْنَ صَالِحِ بْنِ حُيَيٍّ: لَمَّا مَاتَ أَبُو حَنِيفَةَ، ذَهَبَ مُفْتِي الْعِرَاقِ وَفَقِيهُهَا.
قال عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَاوُدَ: إِذَا أَرَدْتَ الآثَارَ، فَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَإِذَا أَرَدْتَ تِلْكَ الدَّقَائِقَ فأَبُو حَنِيفَةَ.
قال الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ فَهِمًا بِعِلْمِهِ مُتَثَبِّتًا فِيهِ، إِذَا صَحَّ عِنْدَهُ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ.
قال الشَّافِعِيَّ: قِيلَ لِمَالِكٍ: هَلْ رَأَيْتَ أَبَا حَنِيفَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَجُلًا لَوْ كَلَّمَكَ فِي هَذِهِ السَّارِيَةِ أَنْ يَجْعَلَهَا ذَهَبًا لَقَامَ بِحُجَّتِهِ.
قال مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيم: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ.
قال عَلِيَّ بْنَ عَاصِمٍ: لَوْ وُزِنَ عِلْمُ أَبِي حَنِيفَةَ بِعِلْمِ أَهْلِ زَمَانِهِ لَرَجِحَ.
قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَمَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ اخْتَرْنَا، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهُمْ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ رَأْيٌ لا نُجْبِرُ عَلَيْهِ أَحَدًا، وَلا نَقُولُ يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ قَبْولُهُ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَحْسَنَ مِنْهُ فَلْيَأْتِ بِهِ.
عبادته وخشيته من الله تعالى
عَنِ القَاسِمِ بنِ مَعْنٍ: أَنَّ أَبَا حَنِيْفَةَ قَامَ لَيْلَةً يُرَدِّدُ قَوْلَه تَعَالَى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القَمَرُ: ٤٦]، وَيَبْكِي، وَيَتَضَرَّعُ إِلَى الفَجْرِ.
قال يحيى القطان: جالسنا والله أبا حنيفة، وسمعنا منه، وكنت والله إذا نظرت إليه عرفت في وجهه أنه يتقي الله عز وجل.
قال الحسن بن محمد الليثي: قدمت الكوفة فسألت عن أعبد أهلها فدفعت إلى أبي حنيفة، ثم قدمتها وأنا شيخ، فسألت عن أفقه أهلها فدفعت إلى أبي حنيفة.
قال أَبو عَاصِمٍ النَّبِيلُ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُسَمَّى الْوَتَدُ لِكَثْرَةِ صَلاتِهِ.
وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئِ، قَالَ: لَوْ رَأَيْتَ أَبَا حَنِيفَةَ يُصَلِّي، عَلِمْتَ أَنَّ الصَّلاةَ مِنْ هَمِّهِ.
قَالَ خَارِجَةَ بْنَ مُصْعَبٍ: خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ أَرْبَعَةٌ مِنَ الأَئِمَّةِ: عُثُمَّانُ بْنُ عَفَّانَ، وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنهم.
قال أبو مطيع: كنت بمكة فما دخلت الطواف في ساعة من ساعات الليل إلا رأيت أبا حنيفة وسفيان في الطواف.
عن يزيد بن الكميت وكان من خيار الناس قال: كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله فقرأ بنا علي بن الحسين المؤذن ليلة في عشاء الآخرة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وأبو حنيفة خلفه فلما قضى الصلاة، وخرج الناس نظرت إلى أبي حنيفة، وهو جالس يفكر، ويتنفس، فقلت: أقوم لا يشتغل قلبه بي، فلما خرجت تركت القنديل، ولم يكن فيه إلا زيت قليل، فجئت وقد طلع الفجر، وهو قائم قد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيرا، ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شرا أجر النعمان عبدك من النار، وما يقرب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك قال: فأذنت فإذا القنديل يزهر، وهو قائم فلما دخلت قال لي: تريد أن تأخذ القنديل؟
قال: قلت قد أذنت لصلاة الغداة قال: اكتم عليَّ ما رأيت، وركع ركعتي الفجر، وجلس حتى أقمت الصلاة، وصلى معنا الغداة على وضوء أول الليل.
عن مليح بن وكيع قال: سمعت أبي يقول: كان والله أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان الله في قلبه جليلا كبيرا عظيما، وكان يؤثر رضا ربه على كل شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتمل رحمه الله ورضي عنه رضى الأبرار فلقد كان منهم.
فَقَالَ سُفْيَانُ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَكْثَرَ النَّاسِ صَلاةً، وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً، وَأَحْسَنَهُمْ مُرُوءَةً.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ: لَقِيَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنَ النَّاسِ عَتَبًا لِقِلَّةِ مُخَالَطَتِهِ النَّاسَ، فَكَانُوا يَرَوْنَهُ مِنْ زَهْوٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ غَرِيزَةٌ فِيهِ.
كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرِعًا تَقِيًّا، مُفَضَّلا عَلَى إِخْوَانِهِ.
قال يَزِيدُ بْنُ كُمَيْتٍ: سَمِعْتُ رَجُلا يَقُولُ لأَبِي حَنِيفَةَ: اتَّقِ اللَّهَ، فَانْتَفَضَ وَاصْفَرَّ وَأَطْرَقَ، وَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، مَا أَحْوَجَ النَّاسَ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى مَنْ يَقُولُ لَهُمْ مِثْلَ هَذَا.
وَقَالَ ابْنَ الْمُبَارَكِ: مَا رَأَيْتُ أَوْرَعَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ جُرِّبَ بِالسِّيَاطِ وَالأَمْوَالِ.
بعض صور الابتلاء لأبي حنيفة
طَلَبَ المَنْصُوْرُ أَبَا حَنِيْفَةَ، فَأَرَادَه عَلَى القَضَاءِ، وَحَلَفَ لَيَلِيَنَّ، فَأَبَى، وَحَلَفَ: إِنِّي لاَ أَفْعَلُ.
فَقَالَ الرَّبِيْعُ الحَاجِبُ: تَرَى أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ يَحلِفُ وَأَنْتَ تَحلِفُ؟
قَالَ: أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ عَلَى كَفَّارَةِ يَمِيْنِه أَقْدَرُ مِنِّي.
فَأَمَرَ بِهِ إِلَى السِّجْنِ، فَمَاتَ فِيْهِ بِبَغْدَادَ.
قال عبيد الله بن عمرو الرقي: كلم ابن هبيرة أبا حنيفة أن يلي له قضاء الكوفة فأبى عليه فضربه مِائَة سوط وعشرة أسواط في كل يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله.
كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُضْرَبُ عَلَى أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ فَيَأْبَى، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَبْكِي، وَقَالَ: أَبْكِي غَمًّا عَلَى وَالِدَتِي.
عَنْ مُغِيثِ بْنِ بُدَيْلٍ، قَالَ: دَعَا أَبُو جَعْفَرٍ أَبَا حَنِيفَةَ إِلَى الْقَضَاءِ فَامْتَنَعَ، فَقَالَ: أَتَرْغَبُ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ؟
فَقَالَ: لا أَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، قَالَ لَهُ: كَذَبْتَ، قَالَ: قَدْ حَكَمَ عَلَيَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنِّي لا أَصْلُحُ، لأَنَّهُ نَسَبَنِي إِلَى الْكَذِبِ، فَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَلا أَصْلُحُ، وَإِنْ كُنْتُ صَادِقًا فَقَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنِّي لا أَصْلُحُ، فَحَبَسَهُ.
شيء من أخلاق أبي حنيفة
رَوَى الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الرَّشِيدِ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ، فَقَالَ لَهُ هَارُونُ: صِفْ لِي أَخْلاقَ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ: كَانَ وَاللَّهِ شَدِيدَ الذَّبِّ عَنْ حَرَامِ اللَّهِ، مُجَانِبًا لأَهْلِ الدُّنْيَا، وَطَوِيلَ الصَّمْتِ دَائِمَ الْفِكْرِ، لَمْ يَكُنْ مِهْذَارًا وَلا ثِرْثَارًا، إِنْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ عِنْدَهُ مِنْهَا عِلْمٌ أَجَابَ فِيهَا، مَا عَلِمْتُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلا صَائِنًا لِنَفْسِهِ وَدِينِهِ، مُشْتَغِلا بِنَفْسِهِ عَنِ النَّاسِ لا يَذْكُرُ أَحَدًا إِلا بِخَيْرٍ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: هَذِهِ أَخْلاقُ الصَّالِحِينَ.
قصة طريفة
قال عبد الله بن رجاء الغداني: كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف يعمل نهاره أجمع حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحما فطبخه أو سمكة فيشويها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غنى بصوت، وهو يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته كل يوم، وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه فقيل: أخذه العسس منذ ليال، وهو محبوس فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وركب بغلته، واستأذن على الأمير قال الأمير: ائذنوا له وأقبلوا به راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ففعل، فلم يزل الأمير يوسع له من مجلسه، وقال: ما حاجتك؟
قال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال يأمر الأمير بتخليته فقال: نعم، وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا فأمر بتخليتهم أجمعين فركب أبو حنيفة، والإسكاف يمشي، وراءه فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه فقال: يا فتى أضعناك؟ فقال: لا بل حفظت، ورعيت جزاك الله خيرا، عن حرمة الجوار، ورعاية الحق، وتاب الرجل، ولم يعد إلى ما كان.
قال ابن المبارك: قلت لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة ما سمعته يغتاب عدوا له قط قال: هو والله أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها.
قصة عجيبة
قال محمد بن عبد الرحمن: كان رجل بالكوفة يقول: عثمان بن عفان كان يهودياً، فأتاه أبو حنيفة فقال: أتيتك خاطبا قال: لمن؟ قال: لابنتك رجل شريف غني من المال حافظ لكتاب الله سخي يقوم الليل في ركعة كثير البكاء من خوف الله قال: في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة، قال: إلا أن فيه خصلة قال: وما هي؟ قال: يهودي، قال: سبحان الله تأمرني أن أزوج ابنتي من يهودي قال: لا تفعل؟ قال: لا، قال: فالنبي ﷺ زوج ابنتيه من يهودي، قال: أستغفر الله فإني تائب إلى الله عز وجل.
متفرقات من حياة أبي حنيفة
عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: كان لنا جار طحان رافضي، وكان له بغلان سمى أحدهما أبا بكر، والآخر عمر فرمحه ذات ليلة أحدهما فقتله فأخبر أبو حنيفة فقال: انظروا البغل الذي رمحه الذي سماه عمر فنظروا فكان كذلك.
قال مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ تَبِينُ عَقْلُهُ فِي مَنْطِقِهِ، وَفِعْلِهِ، وَمِشْيَتِهِ، وَمَدْخَلِهِ، وَمَخْرَجِهِ.
عن الحسن بن زياد: حلفت أم أبي حنيفة بيمين فحنثت فاستفتت أبا حنيفة فأفتاها فلم ترض، وقالت: لا أرضى إلا بما يقول زرعة القاص فجاء بها أبو حنيفة إلى زرعة فسألته فقال أفتيك، ومعك فقيه الكوفة؟ فقال أبو حنيفة: أفتها بكذا وكذا، فأفتاها فرضيت.
أبو حنيفة ليس من المشتغلين بالحديث
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: قِيلَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: كَيْفَ كَانَ حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِصَاحِبِ حَدِيثٍ.
قال الذهبي: لَمْ يَصْرِفِ الإِمَامُ هِمَّتَهُ لِضَبْطِ الأَلْفَاظِ وَالإِسْنَادِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ هِمَّتُهُ الْقُرْآنُ وَالْفِقْهُ، وَكَذَلِكَ حَالُ كُلِّ مَنْ أَقْبَلَ عَلَى فَنٍّ، فَإِنَّهُ يُقَصِّرُ عَنْ غَيْرِهِ.
أبو حنيفة ينفق على أهل العلم
كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْعَثُ بِالْبَضَائِعِ إِلَى بَغْدَادَ، فَيَشْتَرِي بِهَا الأَمْتِعَةَ وَيَحْمِلُهَا إِلَى الْكُوفَةِ، وَيَجْمَعُ الأَرْبَاحَ عِنْدَهُ مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ، فَيَشْتَرِي بِهَا حَوَائِجَ الأَشْيَاخِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَقْوَاتَهُمْ، وَكُسْوَتَهُمْ، وَجَمِيعَ حَوَائِجِهِمْ، ثُمَّ يُعْطِيهِمْ، وَيَقُولُ: لا تَحْمَدُوا إِلا اللَّهَ، فَإِنِّي مَا أَعْطَيْتُكُمْ مِنْ مَالِي شَيْئًا، وَلَكِنْ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيَّ فِيكُمْ.
ذكاء ودهاء
عَنْ أَبِي يُوسُفَ، قَالَ: دَعَا الْمَنْصُورُ أَبَا حَنِيفَةَ، فَقَالَ الرَّبِيعُ الْحَاجِبُ وَكَانَ يُعَادِي أَبَا حَنِيفَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا يُخَالِفُ جَدَّكَ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ، يَقُولُ: إِذَا حَلَفَ ثُمَّ اسْتَثْنَى بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ جَازَ الاسْتِثْنَاءُ، وَهَذَا لا يُجَوِّزُ الاسْتِثْنَاءَ إِلا مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ.
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الرَّبِيعَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَكَ فِي رِقَابِ جُنْدِكَ بَيْعَةٌ، قَالَ: وَكَيْفَ؟
قَالَ: يَحْلِفُونَ لَكَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فَيَسْتَثْنُونَ فَتَبْطُلُ أَيْمَانُهُمْ، فَضَحِكَ الْمَنْصُورُ، وَقَالَ: يَا رَبِيعَ، لا تَعْرِضْ لأَبِي حَنِيفَةَ.
وفاة أبي حنيفة
توفي رحمه الله تعالى في سنة خمسين ومائة، في بغداد، وله سبعون سنة، والغريب أنه في هذه السنة ولد الإمام الشافعي.
رؤيا جميلة
عن أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَجَاءٍ قال: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: إِلامَ صِرْتَ؟
قَالَ: غُفِرَ لِي، قُلْتُ: بِمَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَمْ نَجْعَلْ هَذَا الْعِلْمَ فِيكَ إِلا وَنَحْنُ نَغْفِرُ لَكَ، قُلْتُ: فَمَا فَعَلَ أَبُو يُوسُفَ؟ قَالَ: فَوْقَنَا بِدَرَجَةٍ، قُلْتُ: فَأَبُو حَنِيفَةَ؟ قَالَ: فِي أَعْلَى عِلِّيينَ.
مواد آخرى من نفس القسم
مكتبة الصوتيات
باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم(2 )
0:00
صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ( 4)
0:00
سورة الصافات
0:00
ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ( 3 )
0:00
القدر
0:00
عدد الزوار
7716712
إحصائيات |
مجموع الكتب : ( 49 ) كتاب |
مجموع الأقسام : ( 95 ) قسم |
مجموع المقالات : ( 1735 ) مقال |
مجموع الصوتيات : ( 924 ) مادة |
