• الاربعاء 13 شَوّال 1447 هـ ,الموافق :01 ابريل 2026 م


  • وقفات من سيرة الإمام مالك


  •  

    اسمه ونسبه ومولده

    مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد الله: إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تُنسب المالكية، مولده ووفاته في المدينة، كان مولده في سنة 93 للهجرة، ووالده أنس ليس هو الصحابي المشهور.

    وُلِدَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ عَامَ مَوْتِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه خَادِمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَنَشَأَ في صَوْنٍ وَرَفَاهِيَةٍ وَتَجمُّل.

    طَلبَ مَالِكٌ الْعِلْمَ وَهُوَ ابْنُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَة، وَجَلَسَ لِلْفُتْيَا وَالإِفَادَةِ وَلَهُ إِحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَة.

    أقوال العلماء عن الإمام مالك

    جاء في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " يوشِكُ أَن يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ في طلَب العِلم "، وفي رواية: "يلتَمسُون العلم، فلا يجدون عالما أعلم "، وفي رواية " أفقَه من عَالم المدينة " وفي رواية " من عالم بالمدينة " رواه الترمذي بسندٍ حسن.

    قال بعض المالكية: إذا اعتبرت كثرة من رَوَى عن مالك من العلماء ممن تقدمه أو عاصره أو تأخر عنه، على اختلاف طبقاتهم وأقطارهم وكثرة الرحلة إليه، والاعتماد في وقته عليه، دَلّ بغير مرية أنه المراد بالحديث؛ إذ لم نجد لغيره من علماء المدينة، ممن تقدمه أو جاء بعده، من الرُّواة والآخذين إلا بعض من وجدنا له.

    قال سفيان بن عُيَيْنَة لما بلغه وفاته: ما ترك على الأرض مثله، وقال: مالكٌ إمامٌ، ومالِكٌ عَالِمُ أَهلِ الحجاز، ومالِكٌ حجّةٌ في زمانه ومالِكٌ سراج الأمة، وما نحن ومالك؟ إنما كنا نتبع آثار مالك.

    وقال الشافعي: مالك أستاذي، وعنه أخذت العلم.

    وقال الشافعي: إذا جاءك الأثر عن مالك فشدَّ به يدَك، وقال: إذا جاءك الخبر فَمَالِكٌ النَّجم.

    وقال: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، ولم يبَلْغُ أحد في العلم مبلغ مالك، لِحِفظه وإتقَانِه وصيانته، ومن أرَاد الحديثَ الصحيح فعليهِ بمالك.

    وسئل أحمد عمن يُريد أن يكتبَ الحديث وينظُرَ في الفِقه، حديث مَن يَكْتب؟ وفِي رأْي مَن ينظر؟ فقال: حديث مالك، ورأي مالك.

    قال ابن وهب: الحديث مَضَلَّة إلا للعُلَمَاء، ولَوْلا مالكٌ واللَّيْث لضَللنا.

    قال أبو عاصم: ما رأيت محدّثا أحسن وجهًا من مالك، وقال عيسى بن عمر المدنيّ: ما رأيتُ قطُّ بياضًا ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشدّ بياض ثوب منه.

    قال ابن مهدي: لقيتُ أربعة: مالكًا وسفيان وشُعبة وابن المُبارك، فكان مالكٌ أشدَّهم عقلًا، وقال: ما رأَت عيناي أحدًا أهيب من هيبة مالك، ولا أتمَّ عقلًا، ولا أشدَّ تقوى، ولا أوفر دماغًا من مالك.

    وقال هارون الرشيد عنه: ما رأَيت أعقلَ منه.

    وقال ابن وهب: الذي تعلّمنا من أَدب مالك أكثر مما تعلّمنا من علمه.

    وقال زياد بن يونس: كان والله مالكٌ أعظم الخلق مروءة، وأكثرَهم سمتاً وكان إذا جلس جلسة لا ينحَلّ منها حتى يقوم، ورأيته كثيرَ الصمت قليل الكلام، متحفظاً للسانه.

    قال ابن المبارك: كان مالك أَشدَّ الناس مُداراة للناس وترك ما لا يعنيه.

    قال ابن أبي أويس: كان مالك يَستعمل الإنصاف ويقول: ليس في الناس أقلُّ منه فأردتُ المداومة عليه.

    قال الزهراني: كان مالك إذا أَصبح لبس ثيابه وتعمَّم، ولا يراه أَحدٌ من أهله ولا أصدقائه إلا متعمماً لابساً ثيابه، وما رآه أحد قط أكل أو شرب حيث يراه الناس، ولا يتكلم فيما لا يعنيه.

    قال الفقيه القاضي رضي الله عنه: كان مالك كثيراً ما يتمثل:
    وخير أمور الدين ما كان سُنّة 
     وشرّ الأمور المحدثات البدائع

    وقال ابن حنبل: إذا رأيتَ الرجل يبغض مالكاً فاعلم أنه مبتدع.

    قصص متفرقة عن الإمام مالك

    كانت لمالكٍ ابنةٌ تحفَظ عِلمه، يعنى الموطّأ، وكانت تَقف خلف الباب، فإذا غلط القارئُ نقرت الباب، فيفطن مالك فيرَدُّ: عليه.

    قال مطرف: كان مالك إذا دخل بيته قال: ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، فسئل عن ذلك فقال: قال الله تعالى: " وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ " وجنّتُه: بيته، وقيل: إن ذلك كان على باب مالكٍ مكتوباً، يريد ليتذكر برؤيته قول ذلك متى دخل.

    قال مطرف: قال مالك: قلت لأمي: أذهَب فأكتب العلم، فقالت: تعالَ فالْبَس ثياب العلم، فألبَستني ثيابًا مُشمرَّة ووضعت الطويلة على رأسىي وعممتني فوقها؛ ثم قالت: اذهب فاكتب الآن، وقال رحمه الله: كانت أمي تعَمّمنى وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلَّم من أدبه قبل عِلمه.

    قال مالك: كان لي أَخٌ في سن ابن شهاب، فألقي أبي علينا يومًا مسألة فأصاب أخي وأخطأتُ، فقال لي أبى: ألهَتْك الحمام عن طلب العلم، فَغَضِبْتُ وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين، وكنت أجعل في كُمّي تَمْرًا، وأناولهُ صبيانَه وأقول لهم: إن سأَلكم أحدٌ عن الشيخ فقولوا: مشغول.

    قال مُصْعَب: كان مالك يقود نافعًا من منزله إلى المسْجد، وكان قد كُفّ بصره، فيسأله فيحدثه، وكان منزل نافع بناحية البقيع.

     

    من أقوال الإمام مالك

    قَال: مَا أَفْتَيْتُ حَتىَّ شَهِدَ لي سَبْعُونَ أَنيِّ أَهْلٌ لِذَلِك.

    وكان يقول: لا ينبغي لأحد عنده علم أن يترك التعليم.

    وقال: إن هذا العلم دِينٌ فانظروا عمن تأَخذونه؛ ولقد أدركتُ سبعين ممن يقول: قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين، وأشار إلى المسْجد، فما أخذتُ عنهم شيئًا، وإنَّ أحدهم لوائتُمِن على بيت مالٍ لكان أمِينا، إلا أنَّهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.

    قلت: يعني أنهم حريصون على العبادة ولكنهم لم يكونوا يهتمون بالعلم والحديث والفقه، ولايعرفون الرواية.

    وفي رِواية ابن وَهب عنه: أدركتُ بهذه البلْدة أقوامًا لو استُسْقِي بهم المطر لسُقوا، قد سمعوا العلمَ والحديث كثيرًا، ما حَدَّثت عن أحد منهم شيئًا؛ لأنّهم كانوا ألزَموا أنفسَهم خوفَ اللهِ والزُّهدَ، وهَذا الشّأنُ، يعنى الحديثَ والفُتيَا، يحتاجُ إلى رجل معَه تُقى وورَعٌ وَصيانَةٌ وإتقَانٌ وعِلْم وفَهم، فيعلَم ما يَخرج من رأسِه وما يَصِل إليه غدًا، فأَما رجلٌ بلا إتقان ولا مَعرفة فلا ينتفَع به، ولا هو حُجّة، ولا يُؤخَذ عنه.

    قال مالك: ليس الجدال في الدين بشيء، وقال: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب العبد، وقال: إنه يقسى القلب ويورث الضغن.

    قال الهيثم بن جميل: قيل لمالك: الرجل له علم بالسُنّة يجادل عنها؟ قال: لا، ولكن ليخبر بالسُنّة فإن قُبِل منه وإلا سكت.

    قال سفيان بن عيينة: سألَ رجلٌ مالكاً فقال: " الرحمن على العرش استوى "، كيف استوى يا أبا عبد الله؟ فسكتَ مالك ملياً حتى علاه الرحضاء، وجعل الناس ينظرون ما يأمر به، ثم قال: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وإني لأظنك ضالاً، أخرجوه، فناداه الرجل: يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله إلا هو، لقد سألتُ عن هذه المسألة أهل البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحداً وفق لما وفقتَ له.

    قال ابن وهب: سمعتُ مالكاً يقول إذا جاءه بعض أهل الأهواء: أما أنا فعلى بينة من ربى، وأما أنت فشاك، فاذهب إلى شاكٍ مثلك فخاصمه، ثم قرأ: " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ".

     

    الإمام مالك والفتاوى

    قال ابن عَبد الحكم: كان مَالِكٌ إذا سُئل عَنِ المسْألة قالَ للسائل: انصَرِف حتى أنظرَ فيها، فينصَرِف ويتردد فيها، فقلْنا لَه في ذلك، فبكَى وقالَ: إني أَخَافُ أن يَكون لِي من المسَائل يومٌ وأَيُّ يوم.

    قال عبد الرّحْمن العمَري: قال لي مَالك: رُبَّما وردَت عليّ المسألةُ تمنعني من الطَّعام والشَّراب والنَّوم، فقلتُ له: يا أبا عَبد الله، والله ما كلامك عند الناس إلا نَقْش في حجر، ما تقولُ شيئًا إلا تلقَّوْهُ منك.

    وقال: إني لأُفكّر في مسألةٍ منذُ بضعَ عَشْرَةَ سنَة، فما اتَّفَق لي فيها رأيٌ إلى الآن.

    وقال ابن مَهدي: سَمِعتُ مالكًا يقُول: رُبّما ورَدَت عليَّ المسألة فأَسهَرُ فيها عامَّةَ لَيْلَتي.

    قال ابن مهدي: سألَ رجُلٌ مالكًا عن مَسْألة، وذَكَر أَنَّه أرْسِل فيهَا مِن مَسيرة ستَّةِ أشهُرٍ من المغرب، فقال له: أخبر الذي أَرْسَلك أنه لا عِلْم لِي بهَا، قال: ومَن يَعلمُها؟ قال: مَن عَلَّمَه الله.

    وسَأله رجل عن مسألةٍ استَوْدَعه إياها أهلُ المغرب، فقال: ما أدري، ما ابتُلِينا بهذه المسألة في بَلَدنا، ولا سَمِعْنا أحدًا مِن أشياخنا تكَلَّم فيها، ولكِن تَعُود، 
    فلما كان من الغَدِ جاءه، وقد حَمَل ثِقَلَه على بَغْلةٍ يقُودها، فقال: مَسْألتي؟ فقال: مَا أدرِي ما هِيَ؟ فقال الرجل: يَا أبا عبد الله تركتُ خَلْفي من يقول: ليس على وجه الأرض أَعلمُ منك. فقال مالكً غيرَ مُسْتَوْحِش: إِذا رجعتَ فأَخبِرهم أني لا أُحْسِن.

    قال الهَيْثَم بن جَمِيل: شَهِدت مالكًا سُئِل عن ثمانٍ وأربعين: مسألةً، فَقال في اثنَتيْن وثلاثين مِنها: لا أدرِي، وقال خَالِد بن خِدَاش: قدِمتُ من العِراق على مالك بأربعين مسأَلةً، فَما أجابَني منها إِلا في خَمْسٍ.

    وقال مَالكٌ: سَمِعتُ ابنَ هُرمز يقول: ينبغي أن يُوَرِّثَ العالِمُ جُلَساءه قولَ لا أدرِي، حَتَّى يَكون ذلك أَصلًا في أَيديهم يَفْزَعون إِليه، فإِذا سُئِل أَحَدُهم عَمَّا لا يَدرِي، قال: لا أدرِي.

    قال ابن أبي أُوَيس: سئل مَالكٌ مَرةً عن نَيِّفٍ وعشْرين مَسْألة، فما أجاب منها إلّا في واحدة، وربما سُئلَ عن مِائة مَسْألة، فيُجِيب منها في خَمْسٍ أو عَشْرٍ، ويَقُول في البَاقِي: لا أدْرِي.

    وقال بعضهم له: إذا قلَت أنت يا أبا عبد الله: لا أدري، فمَن يدري؟ قال: ويحَك، ما عرفتني، ومن أنا؟ وأيُّ شيء مَنزلتي حتى أدرِيَ ما لا تدرون؟ ثم أخذ يحَتَجّ بحديث ابن عمَر، وقال: هذا ابن عُمَر يقول: لا أدري، فمن أنا؟ وإنما أهلَكَ الناسَ العُجب وطَلبُ الرياسَة، وهَذا يَضْمَحِلَّ عن قليل.

    وقال مصعب: سُئِل مالك عن مسألةٍ فقال: لا أدري، فقال له السائلُ إنها مسألة خفيفة سهلة، وإنما أردت أن أعلم بها الأمير، وكان السائل ذا قدر، فغضب مالكٌ وقال: مسألة خفيفة سهلة؟ ليس في العلم شيءٌ خفيفٌ؛ أما سَمِعت قول الله تعالى: " إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا "، فالعلم كلُّه ثَقيل وبخاصّةٍ ما يُسأل عنه يوم القيامة.

    وكان مالكٌ إِذا جلَس يُنكّس رأَسَه، ويُحرّك شفتَيه بذكر الله، ولم يَلتَفت يمينًا ولا شمالا، فإذا سُئل عن مسألةٍ تغَيّر لونُه، وينكّس رأسَه ويُحرّكُ شفَتَيه ثم يقول: ما شاء اللهُ لا حولَ ولا قُوة إلا بالله، فربما سئل عن خمسِين مسألةً فلا يُجيب مِنها في وَاحِدَةٍ.

    وكان يَقول: مَن أحبَّ أنْ يجيبَ عن مسألةٍ فلْيَعْرض نَفسَه قبلَ أن يجيبَ على الجَنَّة والنار، وكيفَ يكونُ خَلاصُه في الآخرة، ثم يجيب.

    وقال: ما شيء أشَدُّ عليَّ من أَن أُسأَل عن مَسألةٍ من الحلال والحَرام؛ لأن هذا هو القَطْعُ في حكْمِ الله، ولَقد أَدْركتُ أَهلَ العِلم والفِقْهِ ببَلدِنا وإِنَّ أَحدَهم إِذا سُئِل عن مسألةٍ كأنَّ الموتَ أَشرَف عليه، ورأيتْ أهل زَماننا هذا يَشْتَهُون الكلامَ فيه، والفُتيا؛ ولو وقفوا على مَا يَصِيرون إليه غَدًا لقَلَّلوا من هذا.

    وإنّ عُمر بن الخطاب، وعَلِّيًا، وعَلْقَمة وخيارَ الصحابة، كانَت تَرِدُ عليهم المَسائل، وهُم خير القرون الذين بعث فيهم النَّبيُّ ﷺ وكانوا يَجْمَعون أصحابَ النبي ﷺ ويسألون، ثم حِينئذ يُفْتون فيها، وأهلُ زَمانِنا هَذا قد صَار فَخْرهم الفتْيَا، فبِقَدر ذلك يُفْتَح لهم من العِلم.

    قَال: ولم يَكن من أَمْر النَّاسِ، ولا مَن مضَى مِن سَلَفِنا الذين يُقْتَدَى بهِم، ومُعَوَّلُ الإسلام عَليهم، أن يَقولُوا هذا حلال وهذا حَرام، ولكن يَقولُون : أنا أكْرَه كذا، وأرى كذا ، وأمَّا حَلال وحرَام فَهَذَا الافْتَراءُ عَلَى الله، أما سمعتُهم قَوْلَ الله تَعَالى: " قُلْ أَرَأَيْتُم مَا أَنزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وحلالًا " ، لأن الحلالَ ما أَحلَّه الله ورَسُولُه، والحرامَ ما حَرَّماه.

    قال مُوسَى بن دَاود: ما رأيتُ أحدًا من العُلماء أكثَر أن يَقُول: لا أحسِن، مِن مالك، ورُبَّما سمِعتُه يَقُول: ليسَ هَذا ببلَدنا.

    قال مَروان بن محمد:كنتُ أرى مالكًا يَقول للرَّجل يَسأله: اذهَب حَتَّى أَنظُر في أمر، فقلتُ: إِن الفِقْه مِن بَالِه، وما رَفعَه الله إلا بالتَّقْوَى.

    قال سُحنون: قال مالِك يومًا: اليومَ لي عِشرون سَنَة أَتفكّر في هَذه المسْألة.

     

    أخبار متفرقة عن الإمام مالك 

    قال: إنما أنا بَشرٌ أخطِيء وأُصيب، فانظروا رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكلُّ ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.

    قال القَعْنَبي: دخلتُ على مالكٍ فوجدتُه باكيًا، فسألته عن ذلك فقال: ومن أحقُّ بالبكَاء منّي، لا أتكلَّم بكَلِمةٍ إلا كُتِبت بالأقلام، وحُملت إلى الآفاق.

    قال بشر بن عمر: جئت مع مالك من منزله حتى دخل المسجد، فانتهى إلى حلقة فوسع له في صدرها، فأبى وجلس حيث انتهى به المجلس، فقلت في نفسي هذا رجل منصف، كما لا يوسع لأحد في مجلسه، لا يقعد في صدور مجالس الناس.

    وقال غير واحد: كان جلساء مالك كأن على رؤوسهم الطير سمتا وأدبا.

    قال ابن أبي أويس: كان مالك إذا جلس للحديث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدَّث، فقيل له في ذلك. فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ، ولا أحدث به إلا على طهارة.

    وكان يكره أن يُحدِّث في طريق قائماً أو مستعجلاً، وقال: أحب أن أفهم حديث رسول الله ﷺ.

    قال ابن المنذر: كان لمالك حلقة يجالسه فيها فقهاء المدينة، ولم يكن يوسع لأحد ولا يرفعه، يدع أحدهم يجلس حيث انتهى به المجلس.

    قال مالك: لما كان بعد مدة قال لي الرشيد: تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وتواضع لنا علم سفيان بن عيينه فلم ننتفع به، وكان يأتيهم فيحدثهم.

    وقال بعضهم: كان مالك إذا جلس معنا كأنه واحد منا، ينبسط معنا في الحديث، وهو أشد تواضعاً منا له، فإذا أخذ في الحديث تهيبنا كلامه كأنه ما عرفنا ولا عرفناه.

    قال سعيد بن أبي مريم: ما رأيت أشد هيبة من مالك، لقد كانت هيبته أشد من هيبة السلطان.

    وقيل: كان الثوري في مجلسه، فلما رأى إجلال الناس له، وإجلاله للعلم أنشد:
    يأبى الجواب فلا يراجع هيبة   
      فالسائلون نواكس الأذقان
    أدب الوقار وعز سلطان التقى  
     فهو المهيب وليس ذا سلطان

    قال القعنبي: ما أحسبُ بلغ مالك ما بلغ إلا بسريرة كانت بينه وبين الله تعالى، رأيته يُقام بين يديه الرجل، كما يقام بين يدي الأمير.


    قصص في العبادة والخشية

    قال المغيرة: خرجت ليلة بعد أن هجع الناس هجعة، فمررت بمالك بن أنس، فإذا أنا به قائم يصلى، فلما فرغ من " الحمد لله " ابتدأ بـ " الهاكم التكاثر " حتى بلغ " ثم لتسألن يومئذ عن النعيم " فبكى بكاءً طويلاً، وجعل يرددها ويبكي، وشغلني ما سمعتُ منه ورأيت منه عن حاجتي التي خرجت إليها، فلم أزل قائماً وهو يرددها ويبكي حتى طلع الفجر، فلما تبين له ركع، فصرتُ إلى منزلي، فتوضأت ثم أتيتُ المسجد، فإذا به في مجلسه والناس حوله، فلما أصبح نظرت فإذا أنا بوجهه قد علاه نور حسن.

    قال محمد بن خالد: كنتُ إذا رأيت وجه مالك، رأيت أعلام الآخرة في وجهه، فإذا تكلم علمتَ أن الحق يخرج من فيه.

    قال أبو مصعب: كان مالك يطيل الركوع والسجود في ورده، وإذا وقف في الصلاة كأنه خشبة يابسة لا يتحرك منه شيء، فلما ضرب قيل له: لو خففت من هذا قليلا؟ فقال: ما ينبغي لأحد يعمل لله عملاً إلا حسّنه، لأن الله تعالى يقول " ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ".

    قال ابن وهب: ما رأتَ عيني قط أورع من مالك بن أنس.

    قال ابن المبارك: رأيتُ مالكاً فرأيته من الخاشعين لله، وإنما رفعه الله بسريرة بينه وبينه، وذلك أني كثيراً ما كنت أسمعه يقول: من أحب أن تفتح له فرجة في قلبه، وينجو من غمرات الموت وأهوال يوم القيامة، فليكن عمله في السر أكثر منه في العلانية.

    قال ابن مهدي: ما رأيتُ أحداً الله في قلبه أهيب منه في قلب مالك بن أنس.

    قال ابن أبي أويس: كان مالك يأمر بالمعروف ويحث عليه.

    وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ عنده تغير لونه وانحنى، حتى يصعب ذلك على جلسائه.

    قال بعضهم: رأيت مالكاً صامتاً لا يتكلم ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً إلا أن يكلمه إنسان فيسمع منه ثم يجيبه بشيء يسير، فقيل له في ذلك، فقال: وهل يكب الناس في نار جهنم إلا هذا - وأشار إلى لسانه - ولقد بلغني أن رجلاً دخل على أبي بكر الصديق وهو يجبذ لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، فإذا قالها هو فكيف بنا إلا أن يتغمدنا الله برحمته.

    وقال مالك: كنتُ كلما أجد في قلبي قسوة آتي محمد بن المنكدر، فأنظر إليه نظرة فأتعظ بنفسي أياما.

    قال ابن وهب: وكان أكثر عبادة مالك في السر بالليل والنهار حيث لا يراه أحد.

    وكان مالك قد أدام النظر في المصحف قبل موته بسنين، وكان كثير القراءة طويل البكاء.

    وقال مطرف: كان مالك يستعمل في نفسه ما لا يلتزمه الناس، ويقول: لا يكون العالم عالماً حتى يكون كذلك، وحتى يحتاط لنفسه بما لو تركه لم يكن عليه فيه إثم.

    قال مالك رحمه الله: إنما التواضع في التقى والدين، لا في اللباس.

    وقال: التواضع ترك الرياء والسمعة.

    وقال زيد بن الحسن: سمعته يقول: الزهد في الدنيا طيب المكسب وقصر الأمل.

    وقال: الدنيا صحة البدن وطيب النفس من النعيم.

     

    كلمات الإمام مالك في العلم والمنهج والأخلاق


    قال: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب.

    وقال: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس.

    وقال ابن وهب عنه: طلب العلم حسن لمن رزق خيره، وهو قسم من الله، ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسى فالزمه.

    وكان يقول: أُحِبُّ للقارئ أن يكون أبيض الثياب.

    سئل مالك عن طلب العلم، أفريضة هو؟ قال: لا، ولا يطلب ما لا ينتفع به، ولا يطلب الأغاليط والألغاز والإكثار.

    قال ابن وهب: قال مالك: خير الأمور ما كان منها واضحاً بينا أمره، وإن كنت في أمرين أنت منهما في شك، فخذ بالذي هو أوثق.

    وقال لأبي مسهر: لا تسأل عما لا تريد، فتنسى ما تريد، فإنه من اشترى ما لا يحتاج إليه، باع ما يحتاج إليه.

    قال الشافعي: لما سرت إلى المدينة ولقيتُ مالكاً وسمع كلامي، نظر إليَّ ساعة وكانت له فراسة ثم قال لي: ما اسمك؟ قلت: محمد، قال: يا محمد اتق الله واجتنب المعاصي، فانه سيكون لك شأن.

    وقيل له: ما أفضل ما يصنع العبد؟ قال: طلب العلم.

    وقال: إذا لم يكن للإنسان في نفسه خير، لم يكن للناس فيه خير.

    وقال: نقاء الثوب وحسن الهمة وإظهار المروءة جزء من بضع وأربعين جزءاً من النبوة.

    وقال: حقاً على من طلب العلم أن يكون فيه وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعاً لآثار من مضى، وينبغي لأهل العلم أن يجلوا أنفسهم عن المزاح، وخاصة إذا ذكروا العلم.

    وقال: لا يستكمل الرجل الإيمان حتى يخزن لسانه.

    وقال لبعض أصحابه: لا تكثر الشخوص من بيتك إلا لأمرٍ لابد لك منه، ولا تجلس في مجلس لا تستفيد فيه علماً.

    وقال: من صدق في حديثه مُتع بعقله، ولم يصبه ما يُصيب الناس من الهرم والخرف.

    قال ابن وهب: سمعته يقول: ما زهد أحدٌ في الدنيا إلا أنطقه الله بالحكمة.

    قال بعضهم: كان الشافعي صاحب فراسة، فقيل له في ذلك، فقال: أخذتها من مالك.

    قال أسد بن الفرات: لزمتُ أنا وصاحب لي مالكاً، فلما أردنا الخروج إلى العراق، أتيناه مودعين له، فقلنا له: أوصنا، فالتفت إلى صاحبي فقال: أوصيك بالقرآن خيراً، والتفت إليَّ وقال: أوصيك بهذه الأمة خيراً.

    وقال: عليك بمجالسة مَن يزيد في علمك قوله، ويدعوك إلى الآخرة فعله.

    وقال: ما أسرّ عبدٌ سريرة بخير إلا ألبسه الله رداءها، ولا أسرّ سريرةٌ بشرّ إلا ألبسه الله رداءها.

    وقال مالك للقعنبي: مهما تلاعبت بشيء فلا تلعب بدينك.

    قال مطرف: وكان مالك إذا ودّعه أحد من طلبة العلم عنده، يقول لهم: اتقوا الله في هذا العلم، ولا تنزلوا به دار مضيعة، وبثّوه ولا تكتموه.

    وقال: من علم أن قوله من عمله، قلّ كلامه، والقول من العمل.

    وقال : مَن رضي بشيء كفاه، يعنى: القناعة منفعة لأهل الورع.

    وقال ابن وهب: قال لمالك رجل: أوصني، فقال: أوصيك أن تعمل صالحاً وتأكل طيباً.

    وقال: التقرب مِن أهل الباطل هلكة، والقول الباطل، يصدّ عن الحق، ومن سعادة المرء أن يوفق للخير، ومن شقوة المرء أن لا يزال يخطئ.

    وقال: من آداب العالم ألا يضحك إلا تبسماً.

    وقال: لكل شيء دعامة، ودعامة المؤمن عقله، فبقدر ما يعقل يعبد ربه.

    قال: وكان يقال: نِعم الرجل فلان، لولا أنه يتكلم كلام شهر في يوم.

    قال خالد بن خداش: قلت لمالك أوصني، قال: عليك بتقوى الله وطلب العلم من عند أهله.

    وقال: تعلموا من العالم حتى لبس نعله.

    وقال: لا خير في رفع الصوت في المسجد، في العلم ولا في غيره، أدركت الناس قديماً يعيبون ذلك.

    وقال لابن وهب: اتق الله واقتصر على علمك، فإنه لم يقتصر أحد على علمه إلا نفع وانتفع، فإن كنتَ تريد بما طلبتَ ما عند الله فقد أصبتَ ما تنتفع به، وإن كنتَ تريد بما تعلمت الدنيا فليس في يدك شيء.

    وقال: طلب الرزق في شبهة أحسن مِن الحاجة إلى الناس.

    وقال: الناس في العلم أصناف: رجل علم فعمل به وعلمه، فمثله في كتاب الله قوله: " إنما يخشى الله من عباده العلماء "، ورجل علم فعمل به ولم يعلمه، فمثله في كتاب الله " ان الذين يكتمون ما أنزلنا " الآية، ورجل لم يعلم ولم يعمل به، فمثله قوله " إن هم إلا كالأنعام ".

    وقال الشافعي: ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك.
    قلت : هذا قبل وجود صحيح البخاري ومسلم.

    وقال ابن حنبل: ما أحسن الموطأ لمن تدين به.

    قال صفوان بن عمر بن عبد الواحد: عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يوماً، فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة، أخذتموه في أربعين يوماً، ما أقل ما تفقهون فيه.

     

    قصة الابتلاء

    لما ولي جعفر بن سليمان على المدينة، سعى بعض الناس في الوشاية بمالك، وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث يرويه ثابت الأحنف، في طلاق المكره أنه لا يلزم، فغضب جعفر، ودعا به، فاحتج عليه بما رفع إليه، ثم جرّده ومدَّه فضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه.
    وقال الجياني: بقي مالك بعد الضرب مطابق اليدين، لا يستطيع أن يرفعهما، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد ذلك الضرب في رفعة من الناس وعلو واعظام، حتى كأنما كانت تلك الأسواط حُلياً حلي به.

    قال الليث: إني لأرجو أن يرفع الله مالكا بكل سوط درجة في الجنة.

     

    وفاته والرؤى فيه

    كانت وفاته في ربيع الأول سنة 179هـ، يوم الأحد، وعمره 85 سنة.

    قال أحدهم: كنتُ نائماً في الروضة بين القبر والمنبر، فرأيت النبي ﷺ قد خرج من القبر متكئاً على أبي بكر وعمر، فمضى ثم رجع، فقمتُ إليه فقلت له: يا رسول الله من أين جئت؟ قال: مضيت إلى مالك بن أنس فأقمت له الصراط المستقيم، قال: فأتيت مالكاً فوجدته يدون الموطأ، فأخبرته بالخبر فبكى.

    قال الشافعي: قالت لي عمتي ونحن بمكة: رأيت في هذه الليلة عجباً، قلت: وما هو؟ قالت: كأن قائلا يقول: مات الليلة أعلم أهل الأرض، فحسبنا تلك الليلة، فإذا هي ليلة مات فيها مالك.

    قال الحسن بن حمزة الجعفري: كنت أشتم مالكا، فأقمت عشيتي على ذلك، فنمت، فرأيت كأن الجنة فتحت، فقلت: ما هذا؟ قالوا: الجنة، فقلت: فما هذه الغرف؟ قالوا: الغرفة فوق الغرفة فوق الغرفة، لمالك بن أنس، بما ضبط على الناس دينهم، فلم أنتقصه بعد، وصرت أكتب عنه.

    وعن ابن رمح قال: رأيتُ النبي ﷺ وأنا شاب والناس مجتمعون عليه يسألونه، فقال: قد أعطيتُ مالكاً كنزاً وأمرتُه أن يفرقه عليكم؟

    وقال ابن مزاحم: رأيتُ النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله، مَن نسأل بعدك؟ فقال: مالك بن أنس.

    اللهم اجمعنا بعلماء الإسلام في جنات النعيم.

    مصادر هذه الترجمة: ترتيب المدارك للقاضي عياض، الأعلام للزركلي، حياة التابعين لياسر الحمداني .

     


    مواد آخرى من نفس القسم

    مكتبة الصوتيات

    كيف تبدأ يومك ؟!

    0:00

    ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ( 2 )

    0:00

    اقرأ كتابك

    0:00

    تأملات من قصة لوط عليه السلام

    0:00

    أحكام صلاة الجمعة - 2

    0:00



    عدد الزوار

    7768184

    تواصل معنا


    إحصائيات

    مجموع الكتب : ( 50 ) كتاب
    مجموع الأقسام : ( 95 ) قسم
    مجموع المقالات : ( 1738 ) مقال
    مجموع الصوتيات : ( 924 ) مادة